الشيخ الطبرسي

405

تفسير مجمع البيان

قال : قال رجل لعمار بن ياسر : يا أبا اليقظان ! آية في كتاب الله أفسدت قلبي ؟ قال عمار : وأية آية هي ؟ فقال : هذه الآية ، فأية دابة الأرض هذه قال عمار : والله ما أجلس ، ولا آكل ، ولا أشرب ، حتى أريكها . فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو يأكل تمرا وزبدا ، فقال : يا أبا اليقظان ! هلم . فجلس عمار يأكل معه ، فتعجب الرجل منه . فلما قام عمار ، قال الرجل : سبحان الله حلفت أنك لا تأكل ، ولا تشرب ، حتى ترينيها ! قال عمار : أريتكها إن كنت تعقل . وروى العياشي هذه القصة بعينها عن أبي ذر ، رحمه الله ، أيضا . وقوله : ( تكلمهم ) أي : تكلمهم بما يسوؤهم ، وهو أنهم يصيرون إلى النار بلسان يفهمونه . وقيل : تحدثهم بأن هذا مؤمن ، وهذا كافر . وقيل : تكلمهم بأن تقول لهم : ( أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) وهو الظاهر . وقيل : بآياتنا معناه بكلامها وخروجها . ( ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ) أي : يدفعون ، عن ابن عباس . وقيل : يحبس أولهم على آخرهم . واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن قال : إن دخول ( من ) في الكلام ، يوجب التبعيض ، فدل ذلك على أن اليوم المشار إليه في الآية ، يحشر فيه قوم دون قوم ، وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه : ( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) . وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي ، قوما ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ، ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ، ويبتهجوا بظهور دولته ، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم ، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل ، على أيدي شيعته ، والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته . ولا يشك عاقل أن هذا مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه ، وقد فعل الله ذلك في الأمم الخالية ، ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره ، على ما فسرناه في موضعه . وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : " سيكون في أمتي كل ما كان في بني إسرائيل ، حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة ( 1 ) .

--> ( 1 ) قال ابن الأثير : القذة واحدة القذذ : ريش السهم : وفي الحديث : " لتركبن سنن من كان قبلكم ، حذو القذة بالقذة " أي : كما تقدر كل واحدة منهما على قدر صاحبتها ، وتقطع . يضرب مثلا للشيئين يستويان ، ولا يتفاوتان